عبد الملك الجويني
157
نهاية المطلب في دراية المذهب
ولو نصّ المعير على تعيين الحنطة مثلاً ، وصرح بالمنع من زراعة الشعير ، فظاهر المذهب أنه يتعين على المستعير اتباع ما ذكره المعير ( 1 ) . فإن قيل : قد قلتم : ليس للمستعير أن يعير في ظاهر المذهب ، وإن كان انتفاع غيره بمثابة انتفاعه ، فهلا قلتم : ليس له أن يبدل زرعاً بزرع ، عند جريان التعيين جرياناً على الاتباع في الموضعين ؟ قلنا : لا سواء ؛ فإن اليد إذاً لم تتبدّل ، فليس عين الزرع من حظ المعير ، وإنما حقه الذي أباحه مقدارٌ من منفعة الأرض ، فلا فرق بين أن يستوفيها بالزرع المذكور ، وبين أن يستوفيها بغيره إذا لم يزد الضرر ، فأمّا إذا أعار ، فقد أزال يد نفسه ولإزالة اليد وقعٌ في النفوس لا ينكر . ولو قال : أعرتك لتزرع ما شئت ، زرع ما شاء . ولو قال : لتزرع ، لم يَبْنِ المستعيرُ ، ولم يغرس . ولو قال : لتبني ، أو لتغرس ، فله أن يزرع ؛ فإن ضرر الزرع دون ضرر البناء والغراس . ولو قال : لتبني . هل يغرس ؟ أو قال : لتغرس . هل يبني ؟ فعلى وجهين ، ذكرهما العراقيون وصاحب التقريب : أحدهما - له ذلك . والثاني - وهو الأصح - أنه لا يفعل ؛ فإن في كل واحدٍ من البناء والغراس نوعاً من الضرر لا يجانس النوعَ الذي في الآخر . وهذا يضاهي ما لو قال : بع عبدي بكذا درهماً ، فلو باعه بدنانير ، وإن وفت قيمتُها بمبلغ الدّراهم المعينة ، لم يصح العقد ؛ لتفاوت الغرض في الجنسين . ثم إذا أعار للبناء والغراس ، فلا يخلو إما أن يؤقت الإعارة ، أو يطلقها : فإن أطلق ، ولم يؤقّت ، صحت الإعارة ، وإن استرسلت بالإطلاق على أزمانٍ مجهولة ؛ فإنَّ الإعارة معروفٌ لا تقابِل عوضاً ، فيتسامح في تجويز إطلاقه ، ويحتمل ما فيه من الجهالة ، قياساً على الوصايا ؛ فإنها تصح مجهولة . وهذا ينعكس بالإجارة . 4525 - ثم قال الأصحابُ : إن أغرس المستعير ، أو بنى ، لم ينقطع سلطانُ المعير في الرجوع في العاريّة متى شاء ، ولكنه إذا أراد الرجوع ، لم يكن له أن يضرّ بالمستعير ، ومقصود الفصل تفصيل هذا الغرض .
--> ( 1 ) ( ت 2 ) : كالوكيل .